حيدر حب الله
52
مسألة المنهج في الفكر الديني
والسلوك ، إذ ذلك وهم ، أثبتت تجارب الحياة ، وتاريخ الأديان ، عدم وجود مقوّمات له من الناحية الميدانية ، فلا معنى لاستنزاف الذات في السعي وراء أحلام واهمة ، لا تعدو أن تكون آمال معلّقة . إن وجود مظاهر اتحاد في السلوك والاجتماع والرؤى ، غاية ضرورية لتكوين وحدة اجتماعية يمكن أن يكون لها دورها في الحياة ، إلّا أن الحديث عن وحدة إسلامية ، يغدو بلا معنى عندما نقف أمينين في تحليل المصطلح ، الذي ينبئنا عن أنّ بعض صنّاعه ، كانوا يرون تذويب الاختلاف أصلًا أصيلًا تنبني عليه مشروعات التقريب لحلّ مشاكل المسلمين ، دون أن يلتفتوا إلى أنّ الاختلافات ليست هي المشكلة بقدر ما ينبغي التفتيش عنها في مكان آخر ، نأتي على ذكره عما قريب ، إن شاء الله تعالى . ب - وأما عن مفهوم التقريب ، فلنا ملاحظة عليه تنبع من ضرورة اشتمال الخطاب على استيعاب وجوه الموقف كلّه . إن مصطلح التقريب كان وما يزال ذا معنى نابض بالمعطيات عندما أنتج في النصف الأوّل من القرن العشرين ؛ لأن المسلمين في مذاهبم كانوا متباعدين بل ومنفصلين ، فكان هناك معنى - وما يزال - ليقتربوا من بعضهم البعض ، ويكسروا هذا الحاجز الذي يقف بينهم مشكّلًا قطيعة تاريخية . لقد نجح مشروع التقريب في جمع المسلمين ، وكسر حواجزهم النفسية من بعضهم البعض إلى حدّ جيد ، وتجربة دار التقريب في القاهرة خير شاهد على عيّنات دالة في هذا المضمار . إن مفهوم التقريب - بمعناه الاجتماعي والمعرفي - أفضل من مفهوم الوحدة ، فيما نرى ، بيد أنّه ليس هو المطلوب النهائي للمشروع ، ولا يصحّ الوقوف عنده ، فنحن لا نريد فقط أن نسقط الجدار البرليني الماثل بين فئات المسلمين المختلفة - مذهبياً وقومياً - حتى يقع تقارب اجتماعي أو معرفي ، إن هذه الخطوة تمثّل - فيما نرى - كسر العوائق للبدء بالمشروع ، لا أنّها نهاية المشروع وغاية ما يهدف إليه أو يطمح .